محمود سالم محمد
374
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وقد أمّ نحوك مستشفعا * إلى اللّه ممّا إليه نسب سل اللّه يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب « 1 » واللزوم لا يجمّل القافية ، إن لم يكن يسيء إليها ، فجمال القافية في أن تكون عفوية معبرة ، متمّمة للمعنى متمكّنة ، وقد رأينا في الأمثلة الكثيرة التي مرّت معنا عددا من القصائد ، يعود جمال تعبيرها إلى قوافيها ، ورأينا القصائد المتكلفة ، تأتي بعض قوافيها لإقامة الوزن ، واتساق قوافي القصيدة ، ليس أكثر ، فلا تتم معنى ولا تحسن وقع الصياغة في النفس ، وخاصة عندما يختار الشاعر قافية صعبة ، يعسر عليه الإطالة فيها ، لذلك يستعين بالمعجم ليأتي بألفاظ قلّ استخدامها ، فبدت غريبة ، عسيرة الفهم ، مثل قول الصرصري : لمن المطايا في رباها تنفخ * كالفلك تعلو في السّراب وترسخ حملت على الأكوار كلّ مشمّر * للمجد عن طلب العلا لا يربخ يا سيّد البشر الكريم نجاره * يا من بنسبته سما متشولخ « 2 » ومثل هذه القوافي كثيرة في المدح النبوي ، لأن بعض الشعراء نظموا مدائح نبوية على حروف الهجاء جميعها كما أسلفنا ، ولذلك اضطروا إلى البحث المضني عن القوافي التي تفي بحاجتهم ، وتكلفوا إثباتها . ومن هؤلاء ابن دريهم الثعلبي « 3 » ، الذي نظم قصيدة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مؤلفة من ثلاثين بيتا ، تقرأ على حروف المعجم كلها ، وهو يظن أنه بذلك قد صنع ثلاثين
--> ( 1 ) ديوان الحلي : ص 86 . ( 2 ) ديوان الصرصري : ورقة 28 . ( 3 ) ابن دريهم الثعلبي : علي بن محمد بن عبد العزيز الموصلي ، كان تاجرا عالما ، درس في الجامع الأموي ، وعمل في ديوان الأسرى ، بعث رسولا إلى الحبشة ، فمات في قوص سنة ( 762 ه ) ، له نظم وسط ، كثير التعسف والتكلف . ابن حجر : الدرر الكامنة 3 / 106 .